التربية الإعلامية: مشروع استراتيجي للجهات الشبابية.

لا جدال أن الإعلام أصبح اليوم أكثر عناصر التأثير في حياة الشباب؛ فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحوّل إلى فضاء يصوغ العقول، ويشكّل الاهتمامات، ويوجه السلوكيات. في عالمٍ تغلب عليه الصورة والصوت والكلمة، تتجاذب الوسائل الإعلامية قلوب الشباب وعقولهم، فتفتح لهم آفاقًا رحبة، لكنها في الوقت ذاته قد تُورثهم تحديات عميقة في الهوية والقيم.

التربية الإعلامية: مشروع استراتيجي للجهات الشبابية.

تمهيد
لا جدال أن الإعلام أصبح اليوم أكثر عناصر التأثير في حياة الشباب؛ فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحوّل إلى فضاء يصوغ العقول، ويشكّل الاهتمامات، ويوجه السلوكيات. في عالمٍ تغلب عليه الصورة والصوت والكلمة، تتجاذب الوسائل الإعلامية قلوب الشباب وعقولهم، فتفتح لهم آفاقًا رحبة، لكنها في الوقت ذاته قد تُورثهم تحديات عميقة في الهوية والقيم.
 
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى التربية الإعلامية، لا بوصفها ترفًا معرفيًا، بل كواجب تربوي أصيل في مواجهة بيئة إعلامية متسارعة ومليئة بالتضليل والانبهار.
مفهوم التربية الإعلامية
 
عرّفتها د. ريهان محمد بأنها:
“قدرة الأفراد على الاستخدام الواعي لوسائل الإعلام، من خلال فهم المحتوى وتحليله ونقده وتقييمه وتقويمه. ولا تقف عند حدود التلقي، بل تمتد إلى المشاركة في إنتاج مضامين مسؤولة، وتخزينها، والارتقاء بالذوق والاهتمام.”
(التربية الإعلامية الرقمية ومواجهة التضليل الإعلامي، ص 20)
 
كما لخّصت مؤتمرات منظمة اليونسكو الحاجة إليها بعبارة دقيقة:
“يجب أن نعد النشء للعيش في عالم سلطة الصورة والصوت والكلمة.”
(الشميمري، التربية الإعلامية)
 
هذا يعني أن الإعلام لم يعد مكمّلًا للحياة، بل أصبح بيئة كاملة تحيط بالشاب أينما توجّه، حتى بات من المستحيل عزله عنها. ومن ثمّ، فإن إعداد الشباب لمهارات الوعي الإعلامي لا يقل أهمية عن إعدادهم لمهارات التفكير أو ترسيخ القيم الأخلاقية.
لماذا التربية الإعلامية ضرورة؟
•لأنها تحصّن الشباب من التأثر السلبي بالثقافة الاستهلاكية السريعة.
•لأنها تدرّبهم على الانتقاء الواعي بدل الانجراف مع سيل الصور والمقاطع.
•لأنها تعلّمهم النقد والتحليل بدل الاكتفاء بالتلقي السلبي.
•لأنها تفتح لهم باب المشاركة الفاعلة في صناعة محتوى إعلامي مؤثر ومسؤول.
دعوة إلى مشروع وطني للتربية الإعلامية
 
أدعو الجهات العاملة مع الشباب إلى تبنّي مشروع شامل للتربية الإعلامية، بوصفه أحد المشاريع الأساسية في تكوين وعي النشء، وفق المحاور التالية:
1.فهم الثقافة الإعلامية التي تحيط بالشباب من كل اتجاه.
2.التدريب على الانتقاء الواعي للمحتوى الإعلامي المستهلك.
3.تنمية مهارة النقد والتحليل كعادة ذهنية راسخة.
4.تمليك أدوات وتقنيات للتعامل مع وسائل الإعلام والتواصل الحديثة.
5.تهيئة الشباب للمشاركة الفاعلة في إنتاج محتوى إعلامي راقٍ وهادف.
 
والحد الأدنى من ذلك أن تُعدّ حقيبة تدريبية متخصصة للمراحل التعليمية (ابتدائي – متوسط – ثانوي – جامعي)، تكون أداة عملية للتثقيف والتوعية والتطبيق الميداني.
 
خاتمة
إن جاذبية الإعلام للشباب حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الأجدى أن تتحول هذه الجاذبية إلى قوة إيجابية بنّاءة، لا عامل تهديد أو تشويش. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تربية إعلامية رشيدة، تعين الشباب على أن يكونوا مستهلكين ناقدين، منتجين فاعلين، وقادة رأي مؤثرين في زمن تتلاشى فيه الحدود بين المرسل والمتلقي.
 
بارك الله في الجهود المخلصة التي تسعى إلى صناعة وعي إعلامي راشد، يحمي شبابنا، ويطلق طاقاتهم نحو التأثير الإيجابي، ويجعل من الإعلام قوة بناء لا معول هدم.

شارك المقالة

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

المزيد من المقالات

في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الشباب اليوم، يواجه القادة في الجهات الشبابية تحديًا بالغ الأهمية.

كنت أقول في الدورات واللقاءات والمنصات لسنوات إننا بحاجة إلى مبادرات فردية، وهذا ما زال صحيحًا ولا غنى عنه حتى اليوم؛ فالمبادرة الفردية هي الشرارة …

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات