في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الشباب اليوم، يواجه القادة في الجهات الشبابية تحديًا بالغ الأهمية.
المبادرات المشتركة.. واجب الوقت للجهات الشبابية
- 13 سبتمبر، 2025

كنت أقول في الدورات واللقاءات والمنصات لسنوات إننا بحاجة إلى مبادرات فردية، وهذا ما زال صحيحًا ولا غنى عنه حتى اليوم؛ فالمبادرة الفردية هي الشرارة الأولى لأي تغيير، وهي مساحة الإبداع والمرونة والانطلاق دون قيود، وهي ما يجعل كل جهة شبابية قادرة على التعبير عن رؤيتها الخاصة وتجريب ما يناسب جمهورها. لكنني أظن أن حاجتنا اليوم قد اتسعت لتشمل شيئًا أكبر من ذلك؛ نحن أمام مرحلة تتطلب مبادرات مشتركة محلية تصل بنا للعالمية، حيث أصبح العمل الفردي وحده غير كافٍ لتحقيق الأثر المطلوب في ظل تعقّد التحديات وتشابك القضايا وسرعة التحولات.
الجهات الشبابية اليوم تعمل غالبًا بشكل متوازي دون تنسيق، رغم أن أهدافها ومجالاتها تتقاطع بشكل كبير. هذا التباعد يؤدي إلى هدر كثير من الجهد والوقت والمال، حيث يعيد كل طرف اختراع العجلة من جديد، وتُصرف ميزانيات كبيرة على برامج متشابهة دون استفادة من خبرات الآخرين، كما يتسبب في تكرار البرامج بصورة تجعلنا نكرر الجهود بدلًا من أن نضاعف الأثر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء معمل مشترك لصناعة المبادرات، بيئة تفاعلية حقيقية تضم ممثلين عن الجهات الشبابية، هدفه تصميم مبادرات نوعية عالية الأثر، وتوزيع الأدوار، وتوحيد الجهود، وتحقيق التكامل بدل التنافس.
هذا المعمل يمكن أن يقوم على منهجية واضحة تبدأ من دراسة أولويات الشباب واحتياجاتهم في مختلف البيئات، ثم ينتقل إلى ابتكار مبادرات تعالج القضايا الحقيقية بعمق، ويعمل على توفير قاعدة بيانات موحدة للمشاريع والمبادرات والخبرات الناجحة، بحيث تكون مرجعًا متاحًا للجميع. كما يمكن للمعمل أن يكون مساحة لتجميع الخبرات المتنوعة بين الجهات الشبابية، وتبادل التجارب، والاستفادة من نقاط القوة في كل جهة، ما يجعل المخرجات أكثر جودة وتأثيرًا. ومن المهم أن يكون جزء من عمل المعمل نمذجة المشاريع المميزة القائمة؛ أي تحليل المبادرات الناجحة وتوثيقها وتقديمها في قوالب عملية يمكن الاستفادة منها وتكرارها أو تطويرها في بيئات أخرى، بدل أن تبدأ كل جهة من الصفر في كل مرة.
ورغم أهمية العمل المشترك، فإن المبادرات الفردية ستبقى حاضرة وضرورية؛ فهي تمنح كل جهة المرونة والخصوصية وتسمح لها بتجربة ما يناسب جمهورها ومجالها. الفارق أن المبادرات الفردية تصنع الأثر المحلي المباشر، بينما تصنع المبادرات المشتركة الأثر الأوسع والأكثر عمقًا وعالمية. التكامل بين المسارين هو ما نحتاجه؛ أن تحتفظ كل جهة بمساحتها الخاصة في تصميم برامجها، وفي الوقت نفسه تشارك في مبادرات كبرى تتكامل فيها الأدوار وتتوزع المسؤوليات ويُستثمر فيها كل مورد وخبرة بأعلى كفاءة ممكنة.
الشباب اليوم يعيشون في عالم مترابط لا يعرف الحدود التقليدية، والقضايا التي يواجهونها متشابهة رغم اختلاف البيئات. لذلك أصبح التفكير في مبادرات مشتركة، ومعامل شبابية لصناعة المبادرات، خطوة ملحّة وليست ترفًا. من خلال هذا التعاون يمكننا أن نوفر الجهد والوقت والمال، ونتجاوز تكرار البرامج، ونحقق أثرًا مضاعفًا، ونبني مشروعات ذات عمق واستدامة، دون أن نفقد روح المبادرة الفردية التي تميز كل جهة وتدفعها للإبداع.
لقد حان الوقت لنعمل معًا، محليًا لصناعة نماذج عالمية ومبادرات مشتركة تسهم في بناء حضارة منطلقة من ثقافتنا وقيمنا وتراثنا.
شارك المقالة
عبدالله بن صلاح الشهري
باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.
المزيد من المقالات
التربية الإعلامية: مشروع استراتيجي للجهات الشبابية.
لا جدال أن الإعلام أصبح اليوم أكثر عناصر التأثير في حياة الشباب؛ فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحوّل إلى فضاء يصوغ …