الزواج في زمن الفردانية

يعيش الجيل الحالي حالة معقدة تجاه الزواج؛ فهو يتحدث عنه كثيرًا، ويتابعه في الأفلام والمقاطع والمنصات، لكنه في العمق يبدو أقل استعدادًا له من أي وقت مضى. ولم تعد المشكلة مرتبطة فقط بتكاليف الحياة أو الظروف الاقتصادية كما يُختزل أحيانًا، بل أصبحت مرتبطة بتحولات نفسية وتربوية وثقافية عميقة غيّرت نظرة الإنسان للعلاقة والأسرة والاستقرار. 

ومن أبرز الإشكالات التي تواجه الجيل الحالي في الزواج: 

– عدم الانفكاك من “برنامج العزوبية”. 

– تأثر التصور عن الزواج بالنموذج الأسري (الأبوين) داخل المنزل. 

– ضعف الاستعداد الحقيقي للحياة الزوجية. 

– تضخم التوقعات بسبب المنصات الرقمية. 

ولعل أبرز هذه الإشكالات هو عدم القدرة على مغادرة “برنامج العزوبية” حتى بعد الزواج. فالعزوبية الحديثة لم تعد مجرد مرحلة عمرية مؤقتة، بل تحولت إلى نمط حياة يقوم على الحرية المطلقة، ومركزية الذات، والاعتياد على الراحة الفردية، وصناعة يوم كامل يتمحور حول “أنا” لا “نحن”. ومع سنوات طويلة من هذا النمط يصبح الانتقال إلى الحياة الزوجية أكثر صعوبة؛ لأن الزواج في جوهره انتقال من الاستقلال المطلق إلى عقد قران يفضي إلى تكوين أسرة. 

وهذا تماماً ما تؤصله الرؤية القرآنية؛ إذ لم يصف القرآن الكريم الزواج كعقد مادي جاف، بل جعله آية من آياته العظمى تقوم على تذويب الأنانية الفردية لتحقيق الطمأنينة النفسية، فقال تعالىلِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً{. 

إن هذا الامتزاج ليس مجرد خيار اجتماعي بديل، بل هو استجابة مباشرة لـفطرة تكوين الأسرة التي جُبل الإنسان عليها، وتلبية لـحاجة نفسية ووجودية عميقة لا يمكن لراحة العزوبية المزيفة أن تسدّها. فالأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يخرج فيه الإنسان من ضيق الفردية إلى سعة الامتداد الفطري، والصراع الحقيقي للعازب المتزوج هو صراع بين (أنا الفردية المعزولة) وبين (نداء الفطرة والحاجة إلى السكن والمودة والرحمة) التي تتطلب بالضرورة انفتاحاً نفسياً كاملاً، واستعداداً لامتزاج حياتين في حياة واحدة. 

حيث يميل بعض الشباب إلى تأجيل النضج وتحمل المسؤوليات الكبرى، والنظر إلى الزواج بوصفه قيدًا يهدد حريته الشخصية. بينما الحقيقة أن الزواج كان ولا يزال من أهم محطات النضج الإنساني؛ فهو يعلّم الإنسان العطاء، والصبر، وتحمل المسؤولية، وإدارة الاختلاف، والخروج من دائرة الذات الضيقة إلى فضاء الأسرة الأوسع. 

كما أن صورة الوالدين تترك أثرًا عميقًا في تشكيل تصور الأبناء عن الزواج. فالإنسان لا يتعلم الحياة الأسرية من الكتب بقدر ما يتعلمها من المشهد الذي عاشه داخل منزله. ومن هنا تظهر خطورة “النمذجة الخفية”، حيث يكتشف بعض الأزواج أنهم يكررون دون وعي أساليب آبائهم وأمهاتهم في الحوار أو الغضب أو إدارة الخلاف. 

فالذي نشأ في بيت يسوده الاحترام والرحمة يدخل الزواج غالبًا بثقة وطمأنينة، بينما قد يحمل من نشأ وسط الصراعات أو الجفاف العاطفي مخاوف عميقة من الارتباط أو تصورات سلبية عن الحياة الزوجية. ولهذا فإن الوعي بالخلفية التربوية ومراجعة أثرها في الشخصية يعد خطوة مهمة نحو بناء علاقة أكثر نضجًا واستقرارًا. 

ومن الإشكالات المتزايدة كذلك ضعف الاستعداد الحقيقي للحياة الزوجية. فكثير من الشباب يستعدون لحفل الزواج أكثر من استعدادهم للزواج نفسه. يعرفون تفاصيل القاعة والسفر والاحتفال، لكنهم لا يعرفون كيف يديرون خلافًا، أو يحتوي أحدهم شريك حياته، أو يتعاملون مع الضغوط المالية والعاطفية، أو يفهمون طبيعة الاختلاف بين الشخصيات. 

ويزداد الأمر تعقيدًا مع ما تصنعه المنصات الرقمية من توقعات مثالية غير واقعية. فصور الحياة المنتقاة بعناية، والمشاهد الرومانسية المتكررة، والمقارنات المستمرة، صنعت لدى البعض تصورًا بأن الزواج الناجح هو الزواج الخالي من المشكلات. ومع أول خلاف أو فتور أو ضغط حياتي يبدأ الشك في العلاقة نفسها، لا في طريقة التعامل مع المشكلة. 

وهنا تكمن إحدى أكبر الإشكالات المعاصرة؛ فالكثير لا يعانون من وجود المشكلات، بل من ضعف القدرة على احتمالها. والحقيقة أن الحياة بطبيعتها ليست كاملة، ولا توجد علاقة بشرية تخلو من الخلاف أو التقصير أو سوء الفهم. حتى أكثر العلاقات نجاحًا تمر بلحظات صعبة، لكن الفرق الحقيقي ليس في وجود المشكلة، بل في كيفية التعامل معها. 

فالزواج ليس رحلة بحث عن شخص كامل، بل رحلة تعلّم كيف نتعامل مع النقص البشري. وليس نجاح العلاقة في غياب الخلاف، وإنما في القدرة على احتوائه وتجاوزه، كما أن التغافل عن الزلات الصغيرة، والتسامح في غير الحقوق الواجبة، من أهم أسباب دوام المودة واستقرار البيوت. 

ولهذا فإن من أهم صفات العلاقات المستقرة: المرونة، والصبر، والتغافل، والقدرة على الاعتذار، وحسن الظن، وإدراك أن المودة لا تُقاس بالمشاعر اللحظية فقط، بل تُبنى مع الأيام عبر المواقف المشتركة والتضحيات المتبادلة. 

ومن الحلول المهمة لمواجهة هذه التحديات إعادة تأهيل الشباب نفسيًا ومعرفيًا قبل الزواج، وتعليمهم مهارات الحوار وإدارة الخلاف، وتعزيز الوعي بطبيعة الحياة الزوجية الواقعية بعيدًا عن الصور المثالية. كما ينبغي أن تتحول فترة الملكة إلى مساحة للتفاهم الحقيقي، واكتشاف الطباع والتوقعات، ومناقشة القضايا الجوهرية التي ستبنى عليها الأسرة مستقبلًا. 

إن أزمة الزواج اليوم ليست أزمة رغبة بقدر ما هي أزمة وعي ومهارة وتصورات. نحن أمام جيل تشكل وعيه في زمن السرعة والفردانية والتأثير الرقمي، ولهذا أصبح بحاجة إلى إعادة بناء فهمه لمعنى الأسرة، والانتقال من عقلية “المستهلك” الذي يبحث عن علاقة تلبي احتياجاته الآنية، إلى عقلية “البنّاء” الذي يدرك أن الاستقرار يُصنع بالمودة والرحمة والصبر والنضج الإنساني العميق. 

فالأسرة لا تُبنى بالمظاهر، ولا تستمر بالمشاعر وحدها، وإنما تقوم بعد توفيق الله على الوعي، وحسن العشرة، والقدرة على التحمّل، والإيمان بأن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من المشكلات، بل التي تعرف كيف تتجاوزها؟ 

 

شارك المقالة

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
علي
12 أيام

بارك الله فيك يا دكتور ، كلام جميل وواقع يعيشه بعض الشباب فعلاً ..

سعود
6 أيام

شكرا الله لك فضيلة الدكتور هذا الربط

المزيد من المقالات

لم يعد الإعلام في عصرنا الراهن مجرد ضيف يزور بيوتنا عبر شاشة التلفاز في أوقات محددة، بل تحول إلى بيئة حياتية شاملة.

لماذا نلهث؟

لسنا متعبين لأن الحياة ثقيلة، بل لأننا نعيشها أسرع مما تحتمل نفوسنا.

لم يكن صدفة أن يبدأ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة «اقْرَأْ»، فهي إعلان بأن القراءة مدخل الرسالة، ومفتاح بناء الإنسان، وطريق الوعي …