لماذا نلهث؟

لسنا متعبين لأن الحياة ثقيلة، بل لأننا نعيشها أسرع مما تحتمل نفوسنا. 

نستيقظ على عَجلة، ونتحرك بعجلة، ونتخذ قراراتنا بعجلة، ثم نتساءل في نهاية اليوم: من أين جاء هذا القلق؟ وكأن السرعة أصبحت قدرًا لا يُراجع، ومعيارًا أوحد للكفاءة والنجاح. لكن السؤال الحقيقي الذي نحتاج أن نتوقف عنده هو: هل هناك سرعة صحيحة للعيش؟ سرعة تحفظ للإنسان طمأنينته دون أن تعزله عن واقعه، وتمنحه حضورًا واعيًا دون أن تفصله عن متطلبات الحياة. 

في عالمٍ بات يقدّس السرعة، ويقيس الإنجاز بعدد المهام المنجزة لا بعمق الحضور، أصبح الإنسان المعاصر يعيش في حالة لهاثٍ دائم. كل شيء مستعجل: الكلام، الحركة، القرارات، وحتى المشاعر. ومع هذا الإيقاع المتسارع، لم يعد القلق حالة نفسية عابرة، بل تحوّل إلى بيئة داخلية يقيم فيها كثير من الناس دون أن ينتبهوا. 

ومن هنا، فإن الدعوة إلى تبطيء الحياة ليست ترفًا فكريًا، ولا خطابًا رومانسيًا منفصلًا عن الواقع، بل هي في جوهرها استراتيجية نجاة؛ محاولة واعية لاستعادة الإنسان من قبضة الإيقاع الآلي، وإعادة الروح إلى الجسد الذي أنهكته السرعة. 

القلق في حقيقته لا يعيش إلا في بيئة الاستعجال. هو نارٌ داخلية تتغذى على الإحساس الدائم بأن الوقت يداهمنا، وأننا متأخرون، وأن الخطر أقرب مما نظن. وحين نتحرك بعجلة، وننجز بلهفة، ونستجيب بحدّة، فإننا نرسل لعقولنا رسالة خفية: نحن لسنا بأمان. فيبقى الجسد في حالة استنفار دائم، وكأن الحياة كلها معركة مفتوحة. 

لكن حين نختار البطء عن قصد، لا عن عجز، فإننا نمارس لونًا من السيادة النفسية. نغيّر الإيقاع، فتهدأ الإشارات العصبية، وينتقل الجسد من وضعية “النجاة” إلى وضعية “الترميم”. كل حركة وئيدة تقول للنفس: الآن آمن، وكل فعل متزن يعيد ترتيب الداخل، ويؤكد أن السكينة هي الأصل، وليست حالة طارئة نبحث عنها عند الانهاك. 

وهنا يجب التفريق بوضوح: البطء ليس كسلًا، ولا انسحابًا من عمارة الحياة، بل هو ما يمكن تسميته بـ فقه التؤدة. 

التؤدة هي الرزانة التي تمنح الإنسان فرصة للتبصر، وتحرره من ربط قيمته الذاتية بسرعة إنجازه. وهي معنى عميق حاضر في التراث النبوي، حيث كان الاستعجال قرين الاضطراب، وكانت السكينة باب الحكمة ومظنة البركة. 

الحياة التي تُعاش بسرعة مفرطة تمر على السطح؛ تُنجز كثيرًا لكنها لا تُثمر كثيرًا. أما البطء الواعي، فهو الذي يسمح بتذوق التفاصيل، واستحضار النعم، والانتباه للمعاني التي تضيع في الزحام. والفرق بين البطء والكسل، كالفرق بين السكون الذي يسبق الإبداع، والجمود الذي يعطّل الحياة؛ فالبطء حضورٌ كامل، لا فراغٌ كسول. 

وتتجلى هذه الفلسفة بأوضح صورها في العبادات، وعلى رأسها الصلاة، التي لا تُقبل إلا بالطمأنينة. 

الصلاة تدريب يومي على كسر حدة العجلة، وعلى أن يلحق القلب بالجسد بعد أن اعتاد الجسد الركض وحده. هي وقفة مقصودة في قلب اليوم، تعلّم الإنسان أن السكون ليس تعطيلًا، بل ضرورة. 

وحين تمتد هذه الروح إلى تفاصيل الحياة اليومية، يتحول البطء إلى سلوك تربوي: القيام بهدوء، والالتفات برفق، والإمساك بالأشياء وكأنها أمانات لا أدوات استهلاك. هذه التفاصيل الصغيرة تخفّض ضجيج النفس، وتمنح الإنسان تلك المسافة الفاصلة بين المؤثر والاستجابة… وفي هذه المسافة تحديدًا تنمو الحرية. 

والسؤال الذي لا ينبغي أن نغفله: من يتبعك؟ 

إيقاعك في العيش لا يتوقف عندك؛ يتسرّب إلى أبنائك، وإلى من يعملون معك، وإلى من يراك كل يوم. حين تعيش على عَجلة، فأنت لا تُرهق نفسك وحدك، بل تُقدّم نموذجًا للحياة كما ينبغي أن تُعاش. والقدوة في السرعة – كما في السكينة – تُعلَّم بصمت، وتُورَّث بلا وعي. 

إن تبنّي حياة أبطأ يعني التصالح مع حقيقة أننا لا نملك الزمن، بل نعيشه. ويحررنا من وهم أن السرعة تختصر الطريق إلى السعادة؛ فالسعادة ليست محطة وصول، بل كيفية مسير. وحين نبطئ، نعيش بعمق أكبر وقلق أقل، ونقترب من المعنى القرآني العميق للطمأنينة المرتبطة بذكر الله ﴿الَّذينَ آمَنوا وَتَطمَئِنُّ قُلوبُهُم بِذِكرِ اللَّهِ أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ حيث يسكن الداخل، ويهدأ الزمن، وتتوقف عجلة الاستعجال في الرأس. 

فمن بطّأ حياته، امتلك لحظته ومن امتلك لحظته، وجد طريقه إلى طمأنينة لا يزعزعها صخب العالم، مدركًا أن البركة ليست في عدد الخطوات التي نقطعها ركضًا، بل في عمق السكينة التي نودعها في كل خطوة نخطوها بتؤدة ويقين. 

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

4 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
أبو علي
5 شهور

موضوع جميل يصف الحال ، سلمت أناملك دكتور عبدالله

عبدالله بن صلاح
5 شهور
ردّ على  أبو علي

الله يسلمك ويبقيك

محمد العمري
5 شهور

رائع جدا أيها الحبيب

حمود الشواف
5 شهور

الله يعطينا خير هذي الدنيا كلام في الصميم

المزيد من المقالات

لم يعد الإعلام في عصرنا الراهن مجرد ضيف يزور بيوتنا عبر شاشة التلفاز في أوقات محددة، بل تحول إلى بيئة حياتية شاملة.

يعيش الجيل الحالي حالة معقدة تجاه الزواج؛ فهو يتحدث عنه كثيرًا، ويتابعه في الأفلام والمقاطع والمنصات، لكنه في العمق يبدو أقل استعدادًا له من أي …

حين يستهلك الشاب سنواته الأولى في اللهو والغفلة عن القراءة والتعلّم، فإنه يُفرّط في أثمن رأس مال يملكه: عقله ووقته. ومع مرور الأيام يكتشف أن …