القراءة… طريق إلى الوعي والتأثير

أمة “اقرأ”
 
لم يكن صدفة أن يبدأ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة «اقْرَأْ»، فهي إعلان بأن القراءة مدخل الرسالة، ومفتاح بناء الإنسان، وطريق الوعي والنهضة. قال الله تعالى:
 
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].
 
ومن هنا ندرك أن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل عبادة وقربة، ووسيلة للتقرب إلى الله بفهم سننه في الكون، واستيعاب رسالته في الحياة.
 
لماذا نقرأ؟
 
القراءة غذاء العقل والروح، وركيزة المعرفة، وجسرٌ يصل الإنسان إلى خبرات العصور وتجارب الأمم. وهي التي تعطي الإنسان حياة مضاعفة، كما يقول عباس محمود العقاد:
 
«لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة؛ لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني، والقراءة هي التي تعطيني أكثر من حياة؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق».
 
ويقول الإمام ابن الجوزي في بيان أثر العلم والقراءة:
 
«من أنفق عصر الشباب في العلم؛ فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جَنْي ما غَرس، ويَلْتذُّ بتصنيف ما جَمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا، بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب».
 
فالقراءة غرسٌ طويل المدى، وثمرتها لذة في الدنيا، وعزّ في الآخرة، وصناعةٌ لحياة ملؤها البصيرة والتجدد.
 
عوائق القراءة
 
ورغم هذه القيمة العظيمة، يعترض عادة القراءة عدد من العقبات، مثل:
•ضعف تنظيم الوقت، وكثرة الانشغال بالملهيات.
•إدمان شبكات التواصل الاجتماعي التي تستهلك الطاقات.
•قلة الوعي والقدوة في مجال القراءة.
•تراكم هموم الشباب وانشغالاتهم اليومية.
•الأفكار السلبية حول النفس أو حول القراءة نفسها.
 
وقد لخّص الإمام أبو يوسف القاضي ذلك بقوله: “العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعض على غرر” 
 
 
والقراءة باب من أبواب العلم، تحتاج إلى عزيمة وصبر حتى تصبح عادة راسخة.
 
كيف نقرأ؟
 
من يريد أن تكون القراءة جزءًا من حياته، فليبدأ بخطوات عملية:
•اختيار الكتب المناسبة لمستواه واهتماماته.
•التدرج في القراءة من السهل إلى العميق.
•الاجتماع على القراءة في النوادي والمجالس.
•تكوين مكتبة منزلية وزيارة المكتبات والمعارض.
•تلخيص الفوائد وتقييدها ونشرها بين الناس.
•تنويع المجالات بين العقيدة، التاريخ، الأدب، الثقافة العامة.
•المواظبة على الدعاء: «اللهم يا معلّم إبراهيم علّمني، ويا مفهّم سليمان فهّمني».
 
متى وأين نقرأ؟
 
لكل إنسان “ساعته الذهبية” التي يكون فيها ذهنه أصفى وفكره أعمق. قد تكون عند البعض في السحر، وقد تكون عند آخرين في هدوء منتصف الليل. المهم أن يعرف القارئ ساعته ويلتزم بها.
 
أما المكان، فالغالب أن القارئ يحتاج لبيئة هادئة مناسبة، لأن أثر المكان على النفس كبير، والقراءة في ركن مريح تزيد لذتها وتعمّق أثرها.
 
القراءة قيادة وتأثير
 
القراءة ليست متعة فردية فقط، بل هي وسيلة للتأثير وصناعة القيادة. سُئل فولتير: من يقود البشر؟ فقال: «الذين يعرفون كيف يقرؤون ويكتبون».
 
والتاريخ يشهد أن أعظم القادة والمصلحين كانوا عشّاقًا للكتاب، يستمدون منه زاد الفكر، ورؤية الحياة، وقوة الحجة. ومن هنا نفهم الحكمة في القول: «إذا أردت أن تُسعد إنسانًا، فحبب إليه القراءة».
 
القراءة ليست ورقًا وحبرًا، بل هي غذاء للروح، ونور للعقل، وزاد للطريق. إنها لذة ممتدة، كما وصفها ابن الجوزي، لا تنقطع مع العمر، بل تزيد قيمتها كلما تقدم الإنسان في حياته. وهي في الوقت نفسه مفتاح الوعي، وصناعة القيادة، وجسر التأثير.

شارك المقالة

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

1 تعليق
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
نسرين
7 شهور

حقيقة القراءة غذاء الروح و هي ما تعيين النفس على الإصلاح يجب على المرء إقتناء كتب تعينه على دنياه و آخرته و عرفت هذا الدكتور من بودكاست خاص به مع ياسر الحزيمي عن الزواج

المزيد من المقالات

معرض الكتاب ليس مجرد مكان لاقتناء الكتب، بل هو موسم ثقافي يفتح للناس نوافذ على المعرفة، ويضع القارئ أمام مئات الخيارات والتجارب المتنوعة. وفي كل …

لم يعد الإعلام في عصرنا الراهن مجرد ضيف يزور بيوتنا عبر شاشة التلفاز في أوقات محددة، بل تحول إلى بيئة حياتية شاملة.

سرّ صناعة المحتوى

في زمنٍ يموج بالمقاطع والصور والمنشورات، لم يعد المهم أن تُنشر، بل أن تُؤثّر. ليس كل من يملك حسابًا صانع محتوى، ولا كل من يصنع محتوى …