لم يكن صدفة أن يبدأ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة «اقْرَأْ»، فهي إعلان بأن القراءة مدخل الرسالة، ومفتاح بناء الإنسان، وطريق الوعي …
الوعي الإعلامي في الفضاء الرقمي
- 15 يناير، 2026

لم يعد الإعلام في عصرنا الراهن مجرد ضيف يزور بيوتنا عبر شاشة التلفاز في أوقات محددة، بل تحول إلى بيئة حياتية شاملة، وهواء رقمي نستنشقه في كل لحظة عبر هواتفنا التي لا تفارق أيدينا، لقد تجاوز الإعلام كونه وسيلة لنقل الخبر أو أداة للترفيه ليصبح “مهندساً” حقيقياً يعيد تشكيل فهمنا لذواتنا وتعريفنا لأنفسنا ولوجودنا وغايتنا، بل يكوّن هوياتنا ويرسم خارطة اهتماماتنا، ويوجه بوصلة انفعالاتنا، بل ويقترح علينا كيف يجب أن نفكر وكيف نتخذ قراراتنا، إننا نعيش اليوم تحولاً في “طريقة تفكير الإنسان”، حيث انتقلنا من مرحلة “الإنسان المتواصل” الذي يبني علاقاته على الحوار واللقاء المباشر، إلى “الإنسان المتصل” الذي باتت قيمته تُقاس بمدى حضوره الافتراضي، وهذا الاتصال الدائم ليس مجرد تطور تقني، بل هو معركة وعي كبرى تفرض علينا ضريبة باهظة إذا لم نكن على قدر عالٍ من اليقظة، فالمخاطر لم تعد تقتصر على ضياع الوقت فحسب، بل تمتد لتصل إلى “الخطر العقدي” الذي يزاحم أوقات العبادات ويشغل القلب بالتوافه، و”الخطر العقلي” الذي يغرقنا في بحر من التضليل الإعلامي الذي يحدد لنا ما هو “طبيعي” وما هو “شاذ”، مما يؤدي تدريجياً إلى ذبول ملكة النقد وتسطح الفهم فيما يعرف بظاهرة “تعفن الدماغ”، حيث يكتفي المرء بظواهر الأمور دون نفاذ إلى جوهرها.
ويتجلى التحدي الأكبر في “سطوة الخوارزميات”؛ تلك الأنظمة الذكية التي تراقب كل حركة وسكنة لنا على الشبكة، لا لتقدم لنا ما ينفعنا، بل لتقترح علينا ما يبقينا أطول فترة ممكنة داخل تطبيقاتها، مما يحبسنا في “فقاعات محكمة” تكرر لنا آراءنا وتوهمنا بأن العالم كله يوافقنا، وفي هذه العزلة الرقمية يبرز خطر “التطبيع العاطفي”، حيث تُعرض أقبح السلوكيات وأكثرها انحرافاً في قوالب كوميدية أو “مقاطع لطيفة” تجعلنا نعتاد على رؤيتها يوماً بعد يوم، حتى تضعف الحساسية الأخلاقية في نفوسنا ويسقط الحاجز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، يرافق ذلك “وهم المعرفة” الناتج عن استهلاك المقاطع القصيرة التي لا تتجاوز ثلاثين ثانية، والتي تمنح المشاهد شعوراً زائفاً بأنه أحاط بالعلم من أطرافه، فيتجرأ على الكلام في قضايا الدين والفكر بلا حجة ولا برهان، ويفقد الصبر على القراءة العميقة والتأمل الصبور الذي يبني العقول الحقيقية، وهذا كله يصب في مجرى “تآكل العلاقات الواقعية”، حيث أصبحنا نعيش عزلة جماعية؛ فنحن حاضرون بأجسادنا في المجالس العائلية، لكن أرواحنا وعقولنا مغيبة في عوالم افتراضية، نبحث فيها عن “لايك” أو تعليق يرمم ثقتنا بأنفسنا التي باتت رهينة لتقدير الغرباء، لأننا أدمنا التفاعل والإعجاب وتفاعل الآخرين، كما أنه ضعف تقدير لذواتنا وخربت بيوتنا؛ بسبب مد أعيننا عبر هذه المنصات التي نجري فيها مقارنة اجتماعية يومية، بل وأصبح الإنسان قلقًا يخشى الفوت ويشعر انه خارج العالم إذا غاب بعض دقائق عن هذه المنصات.
إن هذا المشهد المعقد يفرض علينا صراعاً في المرجعيات، حيث تراجع دور “العالم” و”المربي” لصالح “المؤثر” الذي يمتلك الصورة ولا يمتلك المعنى، وحيث صارت “السرعة” هي المعيار الوحيد للنجاح على حساب “التأمل”، مما أنتج هوية رقمية مشوهة تلهث خلف التفاعل وتضحي بالقناعات من أجل إرضاء الجمهور، وهنا يبرز السؤال الوجودي: كيف نتعامل مع هذا الإعصار الرقمي؟ إن الإجابة لا تكمن في المنع المطلق، فالمنع في عصر الانفتاح الكوني هو حل مؤقت ينهار أمام أول تجربة، بل تكمن الحلول في بناء “المناعة الرقمية” والتحصين الداخلي الذي يجعل الفرد قادراً على الانتقاء والتمييز، وتبدأ هذه الرحلة من خلال:
- تفعيل إستراتيجية “المناعة لا المنع“: وذلك عبر تثقيف أنفسنا وأبنائنا بكيفية عمل هذه المنصات، وفهم أن ما نراه ليس دائماً هو الحقيقة، بل هو محتوى صُمم لجذبنا، مما يحولنا من “مستهلكين مسلوبي الإرادة” إلى “محللين واعين” يمتلكون القدرة على الرفض والقبول.
- بناء “الذائقة الناقدة” في التربية: لا يكفي أن نراقب ما يشاهده أبناؤنا، بل يجب أن نعلمهم كيف يتساءلون: “لماذا نُشر هذا المقطع الآن؟”، “ما هي القيم التي يحاول هذا المحتوى هدمها؟”، “وهل هذا المشهد يمثل حقيقتنا؟”، إن هذه التساؤلات هي التي تصنع الفلتر الداخلي الذي يحميهم حين يغيب الرقيب.
- العودة إلى “فضيلة البطء“: نحتاج لانتزاع أنفسنا من دوامة السرعة عبر تخصيص أوقات مقدسة للقراءة الورقية، والحوارات الطويلة، والتأمل في الطبيعة، لترميم جهازنا العصبي المرهق من ملاحقة التنبيهات، ولإعادة الاعتبار للمرجعيات الرصينة والمصادر العميقة.
- الفاعلية الاجتماعية ودعم البدائل: دورنا تجاه مجتمعنا يتطلب منا ألا نكون مجرد متفرجين، بل يجب أن نكون جنوداً للمحتوى القيمي؛ فالمحتوى الهادف يذبل إذا لم يجد دعماً ونشراً، بينما يسود المحتوى الهابط بقوة الانتشار، لذا فإن نشر كلمة طيبة أو مقطع نافع هو جزء من جهادنا المعاصر لإصلاح الفضاء العام.
- صناعة القدوة الرقمية: بدلاً من الاكتفاء بنقد “التافهين”، يجب أن نبرز النماذج الناجحة والمثقفة، وأن نستثمر هذه الأدوات في تقديم ذواتنا بشكل يعبر عن أصالتنا وقيمنا، لنكون نحن من يوجه الانتباه ويقترح السلوك السوي، محولين المنصات إلى منابر بناء لا معاول هدم.
إن الوعي الإعلامي في نهاية المطاف ليس موقفاً دفاعياً نابعاً من الخوف أو الانغلاق، بل هو فهم عميق للأدوات وحسن اختيار للمحتوى الذي نغذي به أرواحنا، إن المشكلة لم تكن يوماً في التقنية ذاتها، بل في مدى نضج الوعي والأخلاق والتربية التي نوظفها عند التعامل معها، فكما أن الفرد الواعي هو أساس المجتمع المستقر، فإن وعي الفرد الرقمي هو الضمانة الوحيدة لأمان المجتمع في هذا العصر المتسارع، فإذا استعدنا سيادتنا على انتباهنا، استعدنا سيادتنا على حياتنا، لنكون فاعلين في مجتمعنا، نؤثر فيه بالخير قبل أن نتأثر بما فيه من شر، ونبني هوية رقمية تفتخر بجذورها وتتطلع لمستقبلها بوعي وبصيرة.
شارك المقالة
عبدالله بن صلاح الشهري
باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.
المزيد من المقالات
لماذا نلهث؟
لسنا متعبين لأن الحياة ثقيلة، بل لأننا نعيشها أسرع مما تحتمل نفوسنا.
الزواج في زمن الفردانية
يعيش الجيل الحالي حالة معقدة تجاه الزواج؛ فهو يتحدث عنه كثيرًا، ويتابعه في الأفلام والمقاطع والمنصات، لكنه في العمق يبدو أقل استعدادًا له من أي …
hello world
hello world