قيادة التغيير في الجهات الشبابية في ظل التحولات الاجتماعية.

في ظل التحولات السريعة التي يعيشها الشباب اليوم، يواجه القادة في الجهات الشبابية تحديًا بالغ الأهمية: كيف يمكنهم تحقيق التوازن بين الثبات على القيم والرسالة وبين المرونة في الاستجابة للمتغيرات وصناعة برامج عصرية تواكب احتياجات الجيل الجديد؟

الناس بطبيعتهم ينقسمون إلى عقليتين أساسيتين: هناك من يملك عقلية الثبات، وهناك من يملك عقلية المرونة. وكلاهما مهم وضروري، لكن سرّ النجاح يكمن في القدرة على الجمع بينهما بوعي، ومعرفة متى نتمسك ومتى نتغيّر؟

أصحاب عقلية الثبات يرون أن القدرات الإنسانية محدودة، وأنها لا تتغير كثيرًا بمرور الزمن. تمنحهم هذه العقلية الاستقرار، والتمسك بالمبادئ، والحذر من الانجراف وراء كل جديد. لكنهم قد يقعون في فخ الجمود إذا جعلتهم هذه العقلية يخافون من التجارب أو يرفضون أي تغيير حتى لو كان ضروريًا للنجاح.

في المقابل، يؤمن أصحاب عقلية المرونة أن القدرات يمكن تطويرها، وأن المهارات تُكتسب بالممارسة، وأن الفشل ليس نهاية بل خطوة طبيعية للتعلّم والنمو. هؤلاء أكثر انفتاحًا وتكيّفًا مع المتغيرات، ويبحثون باستمرار عن طرق مبتكرة للإنجاز وتحقيق الأهداف. وقد لخّص المفكر زيجمونت باومان هذه الحقيقة بقوله:

“نحن نعيش في زمنٍ سائل، حيث الثبات وهم، ومن لا يتعلّم مهارة التكيّف، سيتخلف عن ركب الحياة.”

إن عالم اليوم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، مما يجعل عقلية المرونة شرطًا أساسيًا للبقاء والفاعلية، لكن المرونة وحدها لا تكفي؛ فبدون ثبات على القيم والرسالة يمكن أن تفقد الجهات الشبابية هويتها واتجاهها.

وهنا تكمن المعادلة الصعبة التي تواجه الجهات الشبابية وقادتها: كيف يحافظون على رسالتهم وهويتهم، وفي الوقت ذاته يطوّرون برامج عصرية مؤثرة تستجيب لتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل؟ إن المؤسسات الأكثر تأثيرًا ليست تلك التي تغيّر كل شيء بلا ضابط، ولا تلك التي تتمسّك بكل شيء بلا تفكير، بل هي التي تعرف متى تثبت ومتى تتغيّر، فتأخذ من عقلية الثبات قوتها ورسوخها، ومن عقلية المرونة حيويتها وقدرتها على التجديد.

بهذه الموازنة الواعية بين الثبات والمرونة، تستطيع الجهات الشبابية أن تصنع أثرًا ممتدًا، وأن تكون قادرة على قيادة التغيير بدل أن تكون أسيرة له، فتؤثر في الشباب وتلهمهم، بدل أن تتأثر فقط بتقلبات واقعهم.

شارك المقالة

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

المزيد من المقالات

لا جدال أن الإعلام أصبح اليوم أكثر عناصر التأثير في حياة الشباب؛ فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحوّل إلى فضاء يصوغ …

كنت أقول في الدورات واللقاءات والمنصات لسنوات إننا بحاجة إلى مبادرات فردية، وهذا ما زال صحيحًا ولا غنى عنه حتى اليوم؛ فالمبادرة الفردية هي الشرارة …