لتربية الإسلامية لا تكتفي بتلقين المعارف، بل تسعى لتربية العقول وتوسيع آفاق التفكير، حتى يصبح العقل أداة وعي وبصيرة، لا مجرد مستودع للمعلومات. وقد أشار …
المقاصد العليا للتربية من منظور قرآني
- 3 أبريل، 2026

في مقالات سابقة، كان السؤال يدور حول: لماذا لا تُثمر التربية رغم كثافة الجهود؟ وظهر أن الإشكال ليس في قلة البرامج، بل في غياب الغاية التي تنتظمها، ولا في ضعف الوسائل، بل في فقدان الرابط الذي يصل بين ما نعرفه، وما نكونه، وما نفعله.
وهذا المقال ليس إعادة لذلك الطرح، بل خطوة أبعد منه؛ انتقال من تشخيص الخلل إلى استعادة الأصل، ومن البحث عن “الحلقة المفقودة” إلى إعادة بناء النسق الذي يجمع المعنى والبناء والفعل في مسار واحد. فالسؤال هنا لم يعد: ما الذي ينقص التربية؟ بل: ما الذي ينبغي أن يحكمها ابتداءً؟ وحين يُطرح هذا السؤال بجدية، يصبح الرجوع إلى القرآن ضرورة، لا لاستخراج جزئيات، بل لاستعادة الإطار الكلي الذي يعيد تعريف التربية، ويمنحها وحدتها واتجاهها.
لم تعد أزمة التربية المعاصرة في قلة الوسائل، ولا في ضعف المناهج، ولا حتى في اضطراب الكفايات المهنية؛ بل في اضطراب المقاصد. فحين تغيب الغاية العليا التي تنتظم حولها الجهود، تتحول العملية التربوية إلى تراكم برامج، وتتبدل من مشروع تشكيل إنساني إلى إدارة مهارية. وفي هذا السياق، لا يبدو الخلل في أن التربية لا تعمل، بل في أنها تعمل كثيرًا… دون أن يكون واضحًا إلى أين تتجه.
إن القرآن حين يطرح التربية، لا يبدأ بالسلوك ولا بالمهارة، بل يضع الإنسان أمام حقيقة وجوده: أنه عبد. غير أن العبودية هنا لا تُختزل في الشعائر، ولا في علاقة روحية خاصة، بل تتجاوز ذلك لتكون الإطار الجامع الذي تنتظم فيه حياة الإنسان كلها؛ تضبط مرجعيته، وتوجه قصده، وتمنح أفعاله معناها. وبذلك تتحول التربية من محاولة تحسين الإنسان إلى مشروع إعادة تعريفه؛ من كائن يسعى لتحقيق ذاته وفق ما يراه، إلى إنسان يدرك أنه يتحرك في هذا الوجود بوصفه مكلّفًا، وأن كل ما يفعله ينبغي أن ينتظم ضمن غاية أعلى.
وفي ضوء هذا المعنى، تتجلى المقاصد الكلية للتربية في القرآن ضمن نسق مترابط، لا بوصفها موضوعات متفرقة، بل بوصفها مسارًا متكاملًا يبدأ بتأسيس المعنى، ثم بناء الإنسان، ثم تفعيل دوره في العالم. وهذه المقاصد التي أشار إليها عدد من الباحثين في الدراسات المقاصدية – التوحيد، والتزكية، والعمران – لا تقف بوصفها غايات مستقلة، بل تتكامل داخل إطار العبودية بوصفها المقصد الأعلى الذي تنتظم داخله سائر الحركات الإنسانية.
فالتوحيد في المنظور القرآني ليس مجرد تقرير عقدي أو تصحيح تصوري، بل هو إعادة صياغة شاملة لعلاقة الإنسان بالوجود. إنه تحرير للوعي من التشتت المرجعي، وردٌّ للإنسان إلى مركزية واحدة تضبط المعنى والقيمة والغاية. ومن دون هذا التأسيس، تظل التربية معرضة للازدواجية؛ إذ يمكن أن تُنمّي المهارة وتُغفل الوجهة، أو تُراكم المعرفة وتترك سؤال الغاية معلقًا. فالتوحيد، بهذا المعنى، هو الذي يمنح الفعل الإنساني معناه، ويحول السلوك من استجابة آنية إلى حركة مقصودة ضمن أفق العبودية، وهو الذي يؤسس الهوية قبل أن يوجّه السلوك.
غير أن تأسيس المعنى لا يكفي ما لم يُترجم إلى بناء داخلي عميق، وهنا تتنزل التزكية بوصفها الامتداد الطبيعي للتوحيد. فالقرآن يربط الفلاح بتزكية النفس، ويجعل مهمة الأنبياء تعليم الكتاب والحكمة مقرونة بتزكية الإنسان. والتزكية ليست تهذيبًا سلوكيًا جزئيًا، بل عملية إعادة تشكيل للداخل الإنساني، من حيث الإرادة والنية والضمير والوعي. إنها تحرير للنفس من استبداد الهوى، وضبط لمسار الرغبة، وترقية للقدرة على الاختيار الأخلاقي. وبهذا تكون التزكية تحقيقًا للعبودية في باطن الإنسان؛ إذ لا يبقى المعنى مجرد تصور، بل يتحول إلى حالة يعيشها القلب، وينعكس أثرها في السلوك.
وحين يستقيم المعنى في التوحيد، ويترسخ البناء في التزكية، يتجه الإنسان إلى وظيفته في الأرض: العمران أو الاستخلاف. فالإنسان في القرآن ليس كائنًا منسحبًا من العالم، بل فاعلًا فيه، مكلفًا بإصلاحه، ومسؤولًا عن إقامة العدل فيه. غير أن هذا الاستخلاف ليس تفويضًا مطلقًا، بل أمانة مشروطة بالقيم التي يحملها الإنسان؛ إذ لا قيمة لعمران ينفصل عن العبودية، ولا معنى لحضارة لا تضبطها الأخلاق. ومن هنا فإن العمران في الرؤية القرآنية يتجاوز البناء المادي إلى إقامة ميزان الحق في الاجتماع الإنساني، وإنتاج المعرفة النافعة، وتنظيم العلاقات على أساس العدل والرحمة، بحيث تتحول القيم إلى أنظمة، ويتجسد الإيمان في مؤسسات. وهو بذلك يمثل تجلي العبودية في حركة الإنسان في العالم.
وبهذا تتضح طبيعة المقاصد التربوية في القرآن، لا بوصفها عناوين متجاورة، بل كنسق متكامل تنتظم أجزاؤه داخل إطار العبودية. فالتوحيد يضبط مرجعية العبد، والتزكية تبني أهليته، والعمران يفعّل وظيفته، وكل واحد منها يكتسب معناه من علاقته بالآخر. وإذا اختل هذا الاتساق، اختلت صورة العبودية في حياة الإنسان؛ فقد يعرف الحق ولا يلتزمه، أو يلتزم به في ذاته دون أن يمتد أثره إلى العالم، أو يتحرك في الواقع دون أن تضبطه قيمة أو معنى.
ومن هنا يمكن فهم أن ما يبدو “حلقة مفقودة” في التربية، ليس عنصرًا واحدًا، بل غياب هذا الاتساق بين مستويات العبودية الثلاثة: أن يدرك الإنسان مرجعيته، وأن يتشكل داخله على وفقها، وأن يترجمها إلى فعل في العالم. فإذا انفصل أحد هذه المستويات عن الآخر، فقدت التربية قدرتها على صناعة إنسان متوازن، وصارت إما معرفة بلا أثر، أو تجربة داخلية بلا امتداد، أو نشاطًا خارجيًا بلا روح.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المقاصد بوصفها غايات تُذكر في التنظير، بل بوصفها مرجعية حاكمة تعيد تشكيل العملية التربوية في جميع مستوياتها. فالمقصد لا يأتي في نهاية العملية، بل في بدايتها؛ يحدد ما يُعلّم، وكيف يُعلّم، ولماذا يُعلّم. وبذلك تصبح المعرفة مرتبطة بالهداية، والتعلم مرتبطًا بالتغير الداخلي، والنجاح مرتبطًا بالأثر الذي يتركه الإنسان في العالم، لا بمجرد ما يحققه لنفسه.
وإذا كانت المقاصد تمثل الغايات الكلية، فإن القيم تمثل صورتها المتجسدة في الواقع. فالقيم ليست ملحقًا تربويًا، بل هي البنية التي تتجلى من خلالها المقاصد في السلوك والاختيارات. فهي التي تنقل العبودية من كونها معنى كليًا إلى ممارسة يومية، وتجعل ما يؤمن به الإنسان حاضرًا في قراراته وعلاقاته وأدواره.
إن إعادة ترتيب هذا النسق ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة منهجية. فكل خلل في الواقع التربوي يمكن رده – في جانب منه – إلى اختلال في ترتيب هذه المقاصد أو فصلها عن بعضها؛ إما بتضخيم الوسيلة على حساب المعنى، أو بتقديم البناء المهاري على التزكية، أو بإغفال البعد الحضاري للاستخلاف. وحين تتضح العبودية بوصفها الغاية الكبرى، تنتظم المقاصد داخلها، وتستعيد التربية قدرتها على توجيه الإنسان لا مجرد تدريبه.
وهنا تتجاوز التربية وظيفتها التقليدية؛ فلا تعود مجرد وسيلة لإنتاج أفراد قادرين، بل تصبح مسارًا لصناعة إنسان يعرف لماذا يعيش، وكيف يعيش، ولأي غاية يتحرك. إنسان لا تنفصل فيه المعرفة عن القيمة، ولا القيمة عن الفعل، ولا الفعل عن المعنى؛ لأنه أدرك أن حياته كلها – في جوهرها – عبودية، وأن هذه العبودية ليست قيدًا عليه، بل هي المعنى الذي يحرره، والغاية التي تهديه، والمسار الذي يصنع به أثره في الدنيا والآخرة.
شارك المقالة
عبدالله بن صلاح الشهري
باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.
المزيد من المقالات
قائمة كتب تربوية
أيها المربّي الكريم.... إن أعظم ما تستثمر فيه هو نفسك وعقلك، فالمربي الذي يوسّع مداركه، ويثري خبراته، ويستبصر بقضايا التربية وأدواتها؛ إنما يُسهم في صناعة …
ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ
ﻳﻌﻴﺶ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻱ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻣﻔﺎﺭﻗﺔ ﻣﺆﻟﻤﺔ؛ ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺟﻬﻮﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﺗُﺒﺬﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ، ﻭﺍﻟﺘﻤﻜﻴﻦ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ، ﻭﺍﻟﺘﺮﻓﻴﻪ ﺍﻟﻘﻴﻤﻲ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻳﺒﻘﻰ ﺍﻟﺨﻠﻞ ﻇﺎﻫﺮًﺍ ﻓﻲ ﻣﺨﺮﺟﺎﺕ …