في مقالات سابقة، كان السؤال يدور حول: لماذا لا تُثمر التربية رغم كثافة الجهود؟ وظهر أن الإشكال ليس في قلة البرامج، بل في غياب الغاية …
التربية في الرؤية القرآنية
- 26 فبراير، 2026

كلما ازداد الحديث عن المناهج والوثائق والكفايات والمعايير ونواتج التعلم ومؤشرات الإنجاز، شعرت أن سؤالًا أعمق يتراجع إلى الخلف بهدوء. لم يعد السؤال: لماذا نُربّي؟ وكيف نُربّي؟ بل أصبح: كيف نُنجز؟ ومتى ننتهي؟ ولم يعد السؤال: من نريد أن يكون الإنسان؟ وما صورته النهائية؟ بل: هل أتقن المطلوب؟ وهل حقق المؤشر؟ وهل استوفى المعيار؟ هل التزم بالمنهاج؟ وهل أنهينا الموضوعات؟
لسنا أمام خللٍ تقني في الأدوات، ولا ضعفٍ في الوسائل، بل أمام تحوّل في زاوية النظر إلى التربية ذاتها. فقد انتقلنا – من حيث نشعر أو لا نشعر – من بناء الإنسان صاحب الغاية إلى إعداد المنفّذ الجيد، ومن صناعة الشخصية التي تعبد الله وتقوم بدورها في الأرض إلى تدريب الفرد الذي يعرف كيف يؤدي المهمة وينهي المطلوب ويلتزم بالمكتوب.
غير أن التربية في الرؤية القرآنية ليست كذلك.
حين نعود إلى الوحي، نجد أن أول ما يُؤسَّس في الإنسان ليس المهارة، بل المعنى. يقول الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. هذه الآية ليست توجيهًا تعبديًا فحسب، بل إعلان غاية، وتحديد هوية، ورسم مسار. الإنسان في التصور القرآني كائن غائي قبل أن يكون كائنًا مهاريًا؛ وجوده نفسه مرتبط بالعبودية، والعبودية ليست شعيرة جزئية، بل إطار شامل للحياة كلها.
فالقرآن لا يبدأ بتعليم الإنسان كيف يفعل، بل لماذا يفعل. ولا يكتفي بتوجيه السلوك، بل يعيد تعريف الوجود. ولهذا جاء السؤال القرآني يهزّ الأعماق: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون﴾. ليس عبثًا، بل غاية. وليس انفلاتًا، بل رجوع ومسؤولية.
إذا كانت الغاية من الخلق هي العبودية، فإن التربية – في الرؤية القرآنية – تربية على هذه الغاية. أن يتعلم الطفل لأنه عبد، وأن يسعى الشاب لأنه عبد، وأن يتقن العامل لأنه عبد. أن تصبح الحياة كلها امتدادًا لقوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾. فالمحيا والممات، والعلم والعمل، والنجاح والإخفاق، كلها تدور في فلك العبودية.
وحين تُفصل التربية عن هذه الغاية، تتحول المعرفة إلى معلومات، والوعي إلى غفلة، والعمل إلى أداء، والنجاح إلى رقم. يصبح الإنسان ناجحًا لأنه أتمّ المطلوب، لا لأنه فهم لماذا يتعلم ويتربى. ويغدو الإنجاز غاية في ذاته، لا وسيلة في طريق العبودية والاستخلاف.
وليس المقصود التقليل من قيمة الإتقان؛ فالإتقان في ذاته قيمة شرعية، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». غير أن الإتقان في الرؤية النبوية لم يكن غاية مستقلة، بل ثمرة من ثمار العبودية. هو يحب الإتقان لأنه صادر عن قلب يعرف الله، ويستحضر نظره، ويوقن بلقائه. الإتقان عبودية، لا مجرد احتراف.
تأمل في تربية النبي ﷺ لأصحابه في مكة. لم يبدأ بتعليمهم مهارات القيادة، ولا بتنظيم مؤشرات الأداء، بل بدأ ببناء القلب الذي يعرف ربه، ويستحضر الآخرة، ويوقن بالحساب. كانت الآيات المكية تغرس معنى الجنة والنار، والميزان والرجوع. كان يُنشئ إنسانًا يعيش وهو يرى المصير أمام عينيه.
ولعل أوضح ما يكشف طبيعة هذه التربية تلك الكلمة التي خرجت من قلبٍ تربّى على الغاية قبل أن يتعلم فن الخطاب. حين وقف ربعي بن عامر رضي الله عنه أمام رستم، لم يتحدث عن مشروع توسع، ولا عن مكاسب سياسية، بل لخّص الرسالة في كلمات تعبّر عن جوهر الرؤية القرآنية: إن الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. لم تكن عبارة مرتجلة، بل ثمرة تربية قرآنية صنعت إنسانًا يرى دعوته تحريرًا للإنسان من كل عبودية إلا لله.
وحين استقر هذا المعنى في القلوب، خرج جيل يحمل الرسالة ويصبر ويضحي. لم يكونوا منفذين لمهام، بل أصحاب غاية. لم يكن الدافع “تنفيذ المطلوب”، بل “الوقوف بين يدي الله”.
وفي ضوء هذه الرؤية، يتضح أن الإنسان في القرآن ليس آلة إنتاج، بل خليفة في الأرض: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. والاستخلاف ليس مجرد عمل، بل عمل وفق منهج الله، وبوعي المسؤولية، واستحضار المصير. فإذا فُصل الأداء عن هذا الإطار، أصبح العمل نشاطًا مجردًا، وإن بدا ناجحًا في الظاهر.
إن التربية في الرؤية القرآنية تعيد ترتيب الأسئلة قبل ترتيب المناهج. قبل أن تسأل: ماذا يستطيع أن يفعل؟ تسأل: من هو؟ ولماذا خُلق؟ ولمن يعمل؟ فإذا استقرت الإجابة عن هذه الأسئلة، جاءت الكفايات في مكانها الصحيح، وصار الأداء وسيلة لا غاية.
التربية القرآنية لا ترفض الإتقان، لكنها ترفض أن يكون الإتقان هو المركز. لا تعادي الإنجاز، لكنها ترفض أن ينفصل عن الغاية. إنها تربية تبني الإنسان الذي يعرف أن حياته كلها لله، وأن عمله جزء من عبوديته، وأن نجاحه طريق إلى رضاه.
وهنا يتجلى الفرق بين تربيةٍ تُعنى بالإنجاز العابر، وتربيةٍ تُنشئ إنسانًا يمشي على هدىً من ربه، مستجيبًا لقوله تعالى: ﴿فاستقم كما أُمرت﴾، عالمًا أن الرجوع إليه سبحانه هو المصير.
شارك المقالة
عبدالله بن صلاح الشهري
باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.
المزيد من المقالات
قائمة كتب تربوية
أيها المربّي الكريم.... إن أعظم ما تستثمر فيه هو نفسك وعقلك، فالمربي الذي يوسّع مداركه، ويثري خبراته، ويستبصر بقضايا التربية وأدواتها؛ إنما يُسهم في صناعة …
ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ
ﻳﻌﻴﺶ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻱ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻣﻔﺎﺭﻗﺔ ﻣﺆﻟﻤﺔ؛ ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺟﻬﻮﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﺗُﺒﺬﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ، ﻭﺍﻟﺘﻤﻜﻴﻦ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ، ﻭﺍﻟﺘﺮﻓﻴﻪ ﺍﻟﻘﻴﻤﻲ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻳﺒﻘﻰ ﺍﻟﺨﻠﻞ ﻇﺎﻫﺮًﺍ ﻓﻲ ﻣﺨﺮﺟﺎﺕ …