لا شك أن الاستقرار المالي يعين الشاب على القيام بأعباء الحياة ومواجهة متطلباتها، ويمكّنه من عيش حياة كريمة في زمن مادي صرف. لكن الحديث حول …
هل حائل تستحق الزيارة؟
- 29 أكتوبر، 2025

لم أكن أظن أن الطريق إلى الشمال سيأخذني إلى هذا القدر من الدهشة، ولا أن رحلة قصيرة يمكن أن تترك في القلب ما تتركه التجارب العميقة. كنا ثلاثةً في طريقٍ طويل نحو حائل، نحادث الطريق بقدر ما نحاوره، ونتبادل بين الصمت والحديث شيئًا يشبه التأمل أكثر من السفر. كانت الدعوة بسيطةً في ظاهرها؛ لقاءٌ حول إدارة المشاريع الاجتماعية، لكن ما لم يكن في الحسبان أن اللقاء الحقيقي سيكون مع الإنسان والمكان.
وحين اقتربنا من حائل، بدأ كل شيء يختلف: النسيم، والوجوه، وحتى طريقة الناس في الترحيب. مدينةٌ تبتسم لك قبل أن تصلها، وتحتضنك قبل أن تطرق بابها. ما إن تم الإعلان عن اللقاء حتى بدأت الرسائل تتوافد من أناسٍ لم أرهم من قبل، يعرضون الزيارة والضيافة وكأنهم يعرفونك منذ زمن، وهذه سجيّة راسخة في أهل حائل، لا تكلف فيها ولا تصنع.
وصلنا آخر الليل، فاستقبلنا الفندق بترحابٍ يعكس طبع المكان، كأن الودّ متوارث حتى في تفاصيل الخدمة. وفي صباح اليوم التالي، شدّني مشهد العامل الذي يصبّ القهوة ملتزمًا بعادات المنطقة وسلومها؛ يبقى واقفًا وهو يصب، ويصرّ على أن تشرب الفنجال قبل أن يصبّ غيره، ولا ينسى أن يقدّم التمر كأنه جزء من بروتوكول الكرم الأصيل. تلك التفاصيل الصغيرة كانت تختصر تاريخًا طويلًا من العادات التي تحفظ للكرم هيبته.
في اليوم التالي كنّا على موعد مع “جبّة”، تلك الواحة التاريخية التي تشهد صخورها على آلاف السنين من حضور الإنسان. استقبلنا أهلها كعادتهم بحفاوة وكرم، ثم وقفنا أمام الصخور التي تنطق بالفنّ والصبر والإرادة. هناك، أحسست أن الإنسان منذ القدم كان يبحث عن الخلود بطريقته؛ يترك نقشًا أو أثرًا أو عملًا يقول فيه: كنت هنا، وسأبقى بما صنعت يداي. كان المشهد دعوة للتفكر في معنى الأثر الذي نتركه نحن اليوم، وفي الفرق بين من يعيش في التاريخ ومن يصنعه.
وحين غربت الشمس، دخلنا في نفود حائل حيث التقينا بالأصحاب والأحباب، فاستمتعنا بأحاديثهم وتجاربهم ومغامراتهم التي تشبه قصص البدايات الأولى. عدنا آخر الليل مرهقين، لكننا نحمل في أرواحنا خفّةً غريبة، وكأن الكرم يخفّف عنك تعب المسافة. كان ذلك اليوم كله لوحةً من الجود والسماحة وطيبة النفس.
وفي صباحٍ جديد، زرنا “عقدة”؛ منطقة جميلة تجمع بين التاريخ والطبيعة، تقع غرب حائل وتحيط بها المزارع والمنتجعات وتجاورها جبال أجا الشامخة. بين عبق النخيل وصفاء الجو أحسست أن المكان يروي حكاية العراقة المتجددة، وأن الجمال هنا لا يُفتعل، بل يُورث مع الهواء والماء.
وفي أثناء الرحلة، تجوّلنا بين عددٍ من الجمعيات والجهات الشبابية في المنطقة، فرأيتُ طاقاتٍ شابةً تبعث على الفخر، وكفاءاتٍ واعدة تحمل في داخلها حرصًا واهتمامًا ورغبةً صادقة في أن تصنع أثرًا حقيقيًا في مجتمعها. شبابٌ لا يكتفون بالكلام عن التنمية، بل يعيشونها فعلًا؛ يسألون، ويقترحون، ويبتكرون. كانوا تجسيدًا لما يمكن أن تكون عليه الأجيال القادمة حين تجد بيئة واعية وقيادات تؤمن بقدرتها. هناك أدركت أن رأس مال التنمية الحقيقي ليس في الموارد، بل في الإنسان المتّقد بالأمل.
وفي جمعية الملك عبدالعزيز الاجتماعية، رأيت العمل الاجتماعي وقد تحوّل إلى فنّ في خدمة الإنسان، لا إلى وظيفةٍ تُؤدى. لمست روح الفريق، وحسن الإدارة، وصدق الرؤية، وشعرت أن ما يُبذل هناك ليس جهدًا إداريًا فقط، بل رسالةٌ يعيشها القائمون عليها كل يوم. فجزاهم الله خيرًا على ما يقدمون، وعلى حفاوتهم التي أكرمتنا كما أكرمت رسالتهم.
عدت من الرحلة وأنا أحمل يقينًا أعمق بأن إدارة المشاريع الاجتماعية ليست مجرد تخصصٍ أو دورةٍ تدريبية، بل فلسفة في بناء الإنسان والمجتمع معًا. إنها طريق التنمية الحقيقية التي تبدأ من الوعي وتنتهي بالأثر. فكرةٌ صغيرة، دعوةٌ يسيرة وصلتني يومًا عبر رسالة، لكنها تحوّلت إلى حلمٍ أكبر في أن نعيد اكتشاف قيمة العمل الاجتماعي، وأن نجعل من مؤسساتنا المحلية منصّاتٍ للتغيير الإيجابي المستدام.
أما أنا ورفاقي، فقد خرجنا من حائل ونحن نحمل شيئًا من نورها، وإيمانًا أكبر بقدرات شبابها، ودهشةً من أرضٍ تجمع بين الأصالة والرؤية. كانت الرحلة قصيرةً في زمنها، طويلةً في أثرها، تذكّرني بأن بعض الرحلات لا تغيّر مكانك فحسب، بل تغيّرك أنت، وتعيد ترتيب ما في داخلك من أول الطريق إلى آخره.
شارك المقالة
عبدالله بن صلاح الشهري
باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.
المزيد من المقالات
“معين” تجربة الدرس العائلي.
لا يخفى أن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وخط الدفاع الأول عن القيم والثوابت، لذلك يحسن العناية بها في ظل المتغيرات المعاصرة. ومن …
لقد كتبت عن حائل لا بوصفها مدينةً تُزار، بل روحًا تُعاش. سطّرت حكايةً تُشبه تلك الأرض التي تعرف كيف تُخاطب الزائر بصمتها، وتُعرّفه بنفسها من خلال كرمٍ لا يُتكلّف، وودٍّ لا يُدرَّب عليه.
قرأنا مقالك فشعرنا أننا نسير معكم في الطريق ذاته، نبادل الطريق حديثًا وتأملًا، ونصل إلى حائل لا كمجرد وجهة، بل كاكتشافٍ جديد للإنسان في ذاته. وصفتها كما يصف العاشق معشوقته الأولى: النسيم عندك له معنى، والقهوة عندك طقسٌ من الوفاء، والتمر ليس تمرًا، بل رمزٌ للكرم الممتدّ من جذور التاريخ إلى تفاصيل الحياة اليومية.
توقّف قلمك عند “جبّة” فاستنطق صخورها، وعند “عقدة” فسمعنا عبق النخيل يروي قصة الجمال المتوارث، ثم مضيت لتكتب عن الجمعيات والشباب كأنك تُوثّق فصلاً جديدًا من نهضة حائل الحديثة. لقد جمعت في مقالك بين عبق الماضي ونبض المستقبل، بين النقش القديم في الصخر والنقش الحديث في العقول.
لقد جعلت القارئ يرى أن التنمية ليست مشروعًا هندسيًا أو خطةً على الورق، بل حكاية إنسانٍ يسعى ليترك أثرًا جميلاً، وأن حائل — بما تحتضنه من شبابٍ وطاقاتٍ وعراقةٍ وصدق — هي مدرسة في الإنسانية قبل أن تكون وجهةً على الخارطة.
شكرًا لقلمك الذي أنصف المكان وأكرم أهله بالكلمة كما يكرمون ضيوفهم بالفعل. لقد قلت عن حائل ما يليق بها، وكتبت عنها بمداد الوفاء والدهشة معًا.
دمتَ صادق الحرف، نبيل الشعور، ودامت حائل في كتاباتك كما هي في الحقيقة: أرض الكرم، ومهد الأصالة، ووجه الوطن الجميل. �
شكراً جزيلاً
خالد الباتع. حائلي
دمت بود
شكرًا لك يا أستاذ خالد، شهادتك محل تقدير واعتزاز، وكلماتك عن حائل تزيدها جمالًا في القلب قبل الورق
سلمت أناملك يا دكتور حروفك تكتَب بماء الذهب،
لأن النصّ الذي أمامي ليس مجرد سرد لرحلة، بل قطعة أدبية تنبض بالشعور، وتُقرأ كأنها فيلم من الضوء والدهشة
ما كتبته أيها النقي ليس وصفًا لرحلةٍ عابرة،
بل احتفاءٌ نادر بلحظة إنسانية خالدة. كأن الطريق إلى حائل لم يكن طريقًا جغرافيًا بقدر ما كان رحلةً إلى عمق الروح —
حيث يلتقي الإنسان بالمكان فيتحول كل تفصيلٍ إلى معنى.
في كلماتك امتزجت الدهشة بالحكمة،
فصار السرد تأملًا في الجمال والكرم والهوية،
وصارت المشاهد البسيطة
— (فنجان القهوة، ابتسامة العامل، النقوش على الصخور) علاماتٍ على عمقٍ حضاري لا يبهت.
لقد شاهدتها بقلبك النقي قبل عينيك
أشياء إعتدنا على رؤيته ولكنك جعلتنا نراها بطريقة مختلفة جعلتنا نرى الجمال الحقيقي فيها .
علمتنا أن التنمية لا تبدأ بالمشاريع، بل بالقلوب المؤمنة بأثرها،
وأن السفر الحقيقي هو ذاك الذي يترك أثره في داخلك لا على خريطتك.
وأن حائل ليست وجهةً فقط، بل حالة إنسانية
تعلمت منك الكثير دكتورنا الغالي
من خلال هذه السطور البسيطة تعلمت
( أن الإبداع ليس له حدود) سلمت أيها المبدع
—
أنا جيت بعلق من حبي للشمال وللدكتور عبدالله بس بعد تعليقك خلاص تعب الكلام من الكلام
كلماتك نبراس اقتبس منه السعادة يا غالي
وحروفك تاج على رأسي
شكراً لإطرائك 🤍
حبيبي يا عمران .. عزيز وغالي
شكرًا من القلب على كلماتك الراقية التي تفيض إحساسًا وجمالًا، شهادتك وسام أعتزّ به، وسعيد أن النص لامس فيك هذا العمق الجميل كما لامست حائل قلبي.
سرد جميل موجز ومنصف لحائل المنطقة ، حائل التاريخ ، حائل العادات الجميلة ، لأهالي حائل الكرام .. سلمت أناملك دكتورنا
حائل تستحق الإشادة في كل تفاصيلها من طبيعة ارضها ، وتنوع وجمال تضاريسها ، وطيب نفس وكرم أهلها
حائل تؤثّر ، ولا تتأثر ..
حفظك الله ورعاك
شكرًا جزيلًا على لطفك وذوقك، وحائل فعلًا كما وصفتها: تؤثّر ولا تتأثّر.
كنا نقرأ بلادنا الجميلة حائل ( عاصمة الدنيا ) في عيون الرحالة والمستشرقين القدامى في العصر الحديث الذين ارتحلوا وكتبوا وأجادوا عن حضارة هذه الأرض ابنة آلاف السنين . والتي مازالت تأتي بالشواهد ،التاريخية ،والجغرافية والإنسانية ، وكذلك البشرية الشاهدة على كرم الأرض وكرم أهلها وكرم كل من دبّ عليها من دابة . وماكريم العرب إلا ضمن قائمة تطول وتنمو وتزداد وتتنامى وتتسامى حتى إذا أبهرتنا كثرة أعداد المتبرعين بأجزاء أجسادهم نحو محتاجينها قلنا فيهم ( الحاتميون الجدد ) والآن نقرأ ونبتهج بما يكتبه الدكتور المفضال عبدالله الشهري الباحث عن جماليات العلم والمعرفة في منجم هذا الكون الفسيح الذين يتسع للجميع ممن أراد أن يتسنم العطاء والنماء والبهاء والجلال والضياء والسناء . لكم الشكر المستديم على ماتبنّت مواهبكم وماتبنّت الجهود . وماجمال هذه الأرض إلا نابعٌ من أهلها السادة ملح الأرض ونور السماء الذين توارثوا كرم الخواطر وكرم الأيدي وكرم النفوس وكرم الأماني وكرم الطموحات وكرم المستقبل بعد الماضي .
حييتم بين أهاليكم ومحبيكم فكلّ من عليها مرحّب 🌹
نزال السعيّد – حائل
كاتب وباحث في الأدب
شكرًا لك أستاذ نزال على هذا الكلام الرفيع الذي يليق بحائل وأهلها قبل أن يليق بي، كلماتك لوحة من الوفاء والجمال، أعتزّ بها كثيرًا، ودمت شاهدًا جميلًا على أصالة المكان والإنسان.